الشيخ علي المشكيني

28

دروس في الأخلاق

النوم والجماع وما دبّر فيها [ . . . ] فإنّه جُعل لكلّ واحدٍ منها في انطباع نفسه « 1 » محرّك يقتضيه ويستحثّ به » « 2 » . وقال : « فانظر كيف جُعل لكلّ واحدٍ من هذه الأفعال التي بها قِوام الإنسان وصلاحه محرّك من نفس الطبع يحرّكه كذلك ويحدوه عليه » . « 3 » و « يحدوه » أي : يحثّه ، ويحرّكه . وقال أمير المؤمنين عليه السلام : « سبحانَ الذي جَمَعَ من حَزْن الأرض وسَهْلها وعَذْبها وسَبَخِها [ . . . ] فمثّلت إنساناً ذا أذهان يُجيلها ، وفكرٍ يتصرّف بها ، وجوارح يختدمها ، وأدواتٍ يُقلّبها ، ومعرفةٍ يفرّق بها بين الحقّ والباطل ، والأذواق والمشامّ والألوان والأجناس » « 4 » . ووصف عليّ عليه السلام في نهج البلاغة قلبَ الإنسان وروحَه بِ « أنّ له موادّ من الحكمة ، وأضداد من خلافها ؛ فإن سنح له الرجاء أذلّه الطمع ، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص ، وإن ملكه اليأس قتله الأسَف ، وإن عرض له الغضب اشتدّ به الغيظ ، وإن أسعده الرضا نَسي التحفّظ ، وإن غاله الخوف شغله الحذر ، وإن اتّسع له الأمرُ استَلَبَتْهُ الغِرّةُ ، وإن أفاد مالًا أطغاه الغنى » إلى آخره . « 5 » ثمّ إنّه لا يخفى عليك أنّ الكلام في تشريح حقيقة الإنسان والنفس والروح رفيعُ المرقى صَعِبُ المنال ، والأقوالَ في كيفيّة خلقه وتكوينه بجسمه وبدنه - فضلًا عن روحه ونفسه - وأنّ روحَه مخلوقة قبل الأبدان بألفي عامٍ أو أقلّ أو أكثر كما ورد بذلك نصوص كثيرة ، أو أنّها مخلوقة من الأبدان ومكوّنة عنها كما أشرنا إليه ، كثيرةٌ مختلفة ، بل قد تنتهي إلى عشرةٍ أو أكثر ، ولم يكن البحث في ذلك من أغراض هذا الكتاب ، وكان ما ذكرنا من الآيات والنصوص وبعض الأقوال في ذلك إيضاحاً إجماليّاً بالمقدار الميسور لموضوع علم الأخلاق وموضوع البحث .

--> ( 1 ) . في المصدر : « الطباع » بدل « انطباع نفسه » . ( 2 ) . توحيد المفضّل ، ص 35 ؛ بحار الأنوار ، ج 61 ، ص 255 . ( 3 ) . نفس المصادر . ( 4 ) . نهج البلاغة ، ج 1 ، ص 21 ، الخطبة 1 ؛ بحار الأنوار ، ج 11 ، ص 121 ، ح 56 . ( 5 ) . نهج البلاغة ، ج 4 ، ص 25 ، الحكمة 108 .